يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
579
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
طويل شعر المنكبين ، في إزار ورداء ، يتخطى الناس وهم لا يعرفونه ، حتى أخذ بعضادتي باب البيت وبكى مع الباكين ، ثم أقبل على أصحابه رضي اللّه عنهم وقال : إن في اللّه عز وجل عزاء من كل مصيبة ، وعوضا عن كل فائت ، وخلفا من كل هالك ، فإلى اللّه فأنيبوا ، وبنظره إليكم فانظروا ، فإن المصاب من حرم الثواب ، ثم ذهب . فقال أبو بكر : لعل هذا الخضر صاحب نبينا جاء ليعزينا . وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال : دخلنا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين دنا الفراق وهو في بيت أمنا عائشة رضي اللّه عنها ، فلما نظر إلينا دمعت عيناه ثم قال : مرحبا بكم ، حياكم اللّه ، آواكم اللّه ، نصركم اللّه ، أوصيكم بتقوى اللّه ، وأوصي بكم اللّه ، إني لكم منه نذير مبين ، لا تعلوا على اللّه في عباده وبلاده ، وقد دنا الأجل والمنقلب إلى اللّه ، وإلى سدرة المنتهى ، وإلى جنة المأوى ، فأقرئوا أنفسكم مني ومن دخل في دينكم بعدي من إخواننا السلام . وفيما روت عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت : بينما رأس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على منكبي إذ سل برأسه نحو رأسي ، وخرجت من فيه نطيفة باردة وقعت على نحري ، فاقشعر لها جلدي ، وظننت أنه غشي عليه فسجيته ثوبا ، واستأذن عمر بن الخطاب والمغيرة بن شعبة ، فجذبت الحجاب وأذنت لهما . فنظر إليه عمر وقال : واغشيتاه ما أشد ما غشي على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم خرجا ، فقال المغيرة : مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقال عمر : كذبت ما مات ولا يموت حتى يفني اللّه عز وجل به المنافقين . وأخذ بقائم سيفه وقال : لا أسمع أحدا يقول مات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلا ضربته بسيفي هذا . ثم جاء أبو بكر رضي اللّه عنه ، فأتاه من قبل رأسه فقبل جبهته ثم قال : وا نبياه ، ثم رفع رأسه ثم حدره ، فقبل جبهته ثم قال : وا خليلاه . ثم خرج إلى المسجد وعمر يكلم الناس . فحمد اللّه أبو بكر وأثنى عليه ثم قال : إن اللّه عز وجل يقول : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [ آل عمران : 144 ] ، إلى آخر الآية ، ثم قال : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [ الزمر : 30 ] ، ثم قال : أيها الناس من كان يعبد اللّه فإن اللّه حيّ لا يموت ، ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات . قال عمر رضي اللّه عنه : فكأني واللّه لم أقرأ هذه الآيات ، ثم اعتذر من مقالته الأولى وقال : حملني على ذلك أنني كنت أقرأ : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [ البقرة : 143 ] ، فو اللّه إن كنت لأظن أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سيبقى في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها ، فهو الذي دعاني إلى ما قلت . ثم قال الناس : يا صاحب رسول اللّه مات رسول اللّه ؟ قال :